2017-11-14 

ابن تهامة... ضوء اليمن وأمله في عتمة الحرب والألم

لندن: بدر القحطاني

 

 

هناك صحافيون، تخلد كلماتهم إلى النوم فورما ينهون آخر نقطة من التقرير. يغلقون جهاز الكمبيوتر ليمارسون حياتهم الطبيعية. وهناك آخرون، يستيقظون في منتصف الليل وأجهزتهم الذكية والتقليدية لا تعرف طريقا للراحة.

 

 

عرفات مدابش الأهدل، التهامي ابن منصورة الحديدة، كان من تلك القماشة التي لا تتثاءب. يعيش عبر الصحافة أكثر من حياة، بضوء وأمل اليمن في عتمة الحرب والألم.

 

شاء القدر في صباح الثالث عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) أن يكتب له راحة أبدية. راحة لم يذق طعمها منذ سنين.

 

عاش قويا، بقدر ألمه. لم يقتصر في حياته على عمل واحد. كانت الصحافة بالنسبة إليه قضية، هواء، طعام، كانت الصحافة قدمه الأخرى التي فقدها.

 

 

آخر كلماته وجهها عفويا، قبل أن تداهمه ذبحة صدرية، إلى اليمن الاتحادي، وإلى أبناء تهامة، التي اجترحت ذكرياته، وألّبته، وأخرجت كلماته وصية على أهلها.

 

 

كان يشبههم. بشرته السمراء، والحدة التي يمتاز بها صوته وعزيمته. لم يستطع أحد في تهامة أن يقارعه. حاول أحدهم الاعتداء على سور بيته قبل سنوات. ذهب رغم الحرب ونقاط التفتيش والعنصرية التي هددت حياته ذات يوم؛ وأخذ حقه. ومنع منزله من الاعتداء.

 

 

اعتقدت ذات يوم، أنه يكن لي مكانة خاصة. وهو كذلك، فقد كان يقول: يابدر أنت أكثر من مجرد أخ لم تلده أمي.

 

 

كنا نقضي الساعات في الحديث عن العمل واليمن وعن شؤون أخرى لا تخطر على بال بشر.

 

 

ومع ذلك، كانت قائمة الاتصال الخاصة به في الهاتف رهن إشارة أي صحافي. لم يبخل يوما على أي صحافي بهاتف، بل يبادر أحيانا ليتحدث إلى المسؤول ليوصيه على المتصل المقبل.

 

 

متصالح مع ذاته، آمن تماما أن المنافسة الصحافية لا تقتصر على احتكار الأرقام. استقال مبكرا من اللؤم، ونأى بنفسه كثيرا عن صغار الضغائن.

بيد أن ذلك لم يمنعه أن يكون شرسا.

 

 

أذكر ذات "خلاف"، إذ أحرر في صحيفة "الشرق الأوسط" أخبار اليمن وتقاريرها، أنْ أرسل قصة وجدت جانبا منها يحتاج مصدرا. أخبرته، فقال، اسمع، مصدري قوي ومتأكد منه كما أنا متأكد أني زعلان منك الآن. كان لتلك المكالمة وقع قوي، لكن ما أرداني ضاحكا قوله: مع أني زعلان منك، لكن هذا عمر ابني أزعجني يشتي يكلمك.

 

 

كانت تلك الغضبة الوحيدة التي صارت معه. اضطررت لنشر التقرير بعد يومين إذ كان جل ما ذكره صحيحا، وصدر بأمر رئاسي.

 

 

الساعة الثانية والنصف صباحا. يرن الهاتف. يصدح صوت على شفى البكاء: اشتقت لأبي، لم أره منذ مدة". بعد نصف ساعة من الحديث والامتعاض الشديد من ذهاب الكهرباء و"الحمى" الشديد، يقول: اسمع، اسمع. هذه أغنية بكلمات تهامية: أول حبيب لي خلوه يحول، لعبو بعقله، وخلوه يبدل، يشتوني أبطل والله ما أبطل" يصدح صوت في خلفية المقطع الغنائي... "والله ما أبطل".

 

 

فعلا، لن يبطل (بشد الطاء). وحقا، سيصدمني وقائمة طويلة من السياسيين والصحافيين والأحباب.

 

 

كان عرفات مدابش حصانا عربيا يصهل حيوية. كان بقدم واحدة يواجه الطبيعة نفسها.

 

 

سنده في الدنيا وشريكة حياته أم ياسر. كان يقول: هذه الضالعية أشعر أنها ضلع مستقيم من ضلوعي.

 

 

"عمو بدر، ما هذه القصة؟" كان يلتقط ابنه الغالي عمر الهاتف ليعلق على صورة بعثتها فورما انتهيت من "الحلاقة". كان يقول: يابدر الأطفال أحباب الله.

 

 

"في موزمبيق".. جملته الشهيرة وقت الغضب. كان بقدر السرعة التي يغضب فيها كان يعود هادئا. براغماتيا يواجه حياة مؤلمة بعيدة عن حياته التي عاشها.

 

كانت عدن، أشبه بالإقامة الجبرية لعرفات. في آخر رسائله، كان يقول: آخر مدى أستطيع الوصول إليه الضالع، حيث يقطن جزء منه، أهل زوجته التي لا ينفك يتحدث عنها: أم ياسر.

 

كان ابنه جار الله يحتل نصيبا من قلبه، وياسر كان يسأل عن أسعار المعيشة في لندن ليرسله مهما كلف الأمر.

 

 

ولعمار، مكانة خاصة، لا سيما وقت الامتحانات، كان يترقب النتائج كمن ينتظر وجبة غداء لم يذق مثلها من أشهر.

 

 

وعمر، القلب كله عمر. يحبه كما لم يحب أحدا قط. كان الوحيد الذي يحق له ما لا يحق لغيره.

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه