2018-07-02 

السعودية الجديدة ..وهندسة "الوعي" الحضاري

حليمة مظفر

"السلام عليكم ورحمة الله" هذه التحية التي نرددها يوميا كعقارب الساعة؛ بدأت منها نواة هندسة الوعي الحضاري الإسلامي في العقل العربي، والذي كان يعيش جاهليته في عصبية قبلية ما قبل 1400 عام، وأعادت إعداد وعيه ثقافيا؛ ليكون الفرد لبنة بناء حضارة نقلته من اهتماماته الصغيرة في إدارة القبيلة إلى إدارة دولة مؤثرة جغرافيا، حتى أنها مكنت لغة العربي القادم من الصحراء أن تكون لغة العلوم والآداب والفلسفة والترجمة في بلاد لا يتحدثون بها لقرون طويلة.

 

إنها ليست مجرد تحية؛ إنما أيقونة إعلامية مباشرة وغير مباشرة، تُرددها الألسن لتؤكد في الوعي العام مبدأين هما السلام والرحمة؛ فدونهما لا تُبنى حضارة، ولهذا ينبغي ألا تمر مرور الكرام كعادة لسانية، وإنما من جوارح مُدركة؛ فمنها أول درس في برمجة أو هندسة "الوعي " للعقل العربي؛ والذي جاء معناه بحسب ما ذكره المعجم الوسيط : "أي الفهم وسلامة الإدراك، و في علم النفس :شعور الكائن الحي بما في نفسه وما يحيط به".

والسؤال هنا؛ هل يعني ذلك أنّ الوعي يحتاج إلى هندسة!؟

 

وللإجابة لابد من التعريج على معنى "هندسة " التي تعني: العلم الرياضي الباحث في الخطوط والأبعاد والسطوح والزويا والكميات أو المقادير المادية من حيث خواصها وقياسها أو تقويمها وعلاقة بعضها ببعض لأجل بناء الأشياء وتنظيمها وتقويمها؛ الآلية أو الميكانيكية، فهناك الهندسة الكهربائية، والهندسة الحربية، والهندسة المعدنية، والهندسة الكيماوية، والهندسة المعمارية، وهندسة الطرق والجسور، والصحية، والزراعية وغيرها ، وفي هذا المقال أضيف "هندسة الوعي" من أجل بناء إنسان متحضر يتعامل مع مجتمعه وقوانينه وأدواته المدنية بوعي أخلاقي .

 

ولأن "العقل كالمعدة، المهم ما تهضمه لا ما تبتلعه" كما يقول "كونفوشيوس" الفيلسوف الصيني فإن الوعي يعتمد على ما يهضمه "العقل" فيغذي سلوك الفرد وأخلاقياته وقناعاته الفكرية؛ لهذا من المهم هندسة ما يتم تقديمه لهذا العقل  قبل هضمه بما يخدم هدف اعتباره عامود بناء الحضارة في أي مجتمع يسعى إلى التطور والتقدم، حيزه تفكير الفرد، وهدفه أن يكون عامل بناء منتج في المنظومة الاجتماعية بإيجابية، تُمكنه من الإنتاج على أرض خصبة بالتعايش أخلاقيا وفكريا وسلوكيا مع الذات والآخر والبيئة بمختلف كائناتها الحية والجامدة؛ وهذا ليس ترفا بل مطلبا أمنيا كما هو مطلب حضاري.

 

ولأن من أهم أدوات هندسة الوعي الحضاري / غذاء العقل هي الفنون الراقية والتراثية بأنواعها والآداب والإعلام؛ يأتي أهمية القرار الملكي العظيم بإنشاء وزارة الثقافة وفصلها عن وزارة الإعلام، ليكون كل منهما مستقلا، مما يعني تركيزا أكبر لكل من الوزارتين في تخصصها وبنائها واستثمار أهدافها بما يحقق جودة الحياة وبناء وعي حضاري تسعى إليه السعودية الجديدة وفق رؤية 2030 الطموحة لتكون حدودها السماء وحمل لواء تحقيقها بكل جديّة وحزم ودقة المُلهِم الأمير محمد بن سلمان تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ؛ وهذه الطموحات الكبيرة ينبغي أن تنطلق منها طموح كل الوزارات لكن حين نتحدث عن هندسة الوعي من خلال الاهتمام بما يتم تقديمه للعقل؛ فهنا أخص وزارة الثقافة الحديثة المنشأ والتأسيس والتي يقودها سمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، بجانب وزارة الإعلام ودورها الكبير .

 

ولأن الهندسة هي الإلمام بالتفاصيل وفق حسابات دقيقة وعملية لتأسيس بناء قوي ومتين ومستديم، فأولى الأولويات بناء قاعدة بيانات معرفية وثقافية وإدارية، تعتمد عليها خارطة عمل أو استراتيجية بناء واضحة في حساباتها الدقيقة؛ وهذه تبدأ من الاختيار الدقيق والفاحص لمستشاري الوزراء، ولكن لماذا هذه الوزارتان بالذات وإن كان هذا مطلب مهم تحقيقه في بقية الوزارات؟! الإجابة تتمثل في أنهما تعملان على هندسة الوعي لبناء الثقافة العامة مع مختلف الشرائح الاجتماعية والأجيال، وبالتالي تتكئ على مخرجاتها جميع الوزارات وأجهزة الدولة والقطاع الخاص؛ والمستشارون هم بمثابة حواس الوزراء وجوارحهم النافذة في الوزارة وخارجها؛ إنهم بوصلة نجاح الوزير الحصيف المؤتمن على تحقيق خطط البناء الحضاري في السعودية الجديدة الدولة العظمى، بل يمكنك أن تحكم على شخصية الوزير من خلال مستشاريه فهم من يمثلون اختياراته.

 

كما يتوجب على وزارة الثقافة ووزارة الإعلام عدم الاكتفاء بأن تكون كل منهما همزة وصل بين أفراد المجتمع ومؤسساته الثقافية وبقية أجهزته للدفع بتجديد الخطاب الاجتماعي والذائقة العامة، بل أيضا صناعة وصياغة وابتكار الحدث الثقافي المعزز لقيم الهوية الوطنية والحضارة، وبدعم الأدباء والمبدعين ماديا واعلاميا خلال دعم نتاجهم دون مجاملات أو عشوائية، وتنشيط ترجمة الأعمال الأدبية المستحقة كونها سفيرة للثقافة السعودية؛ وتحقيق التكامل في انتاج تنوع ثقافي ومعرفي وترفيهي يتوافق مع كل الأجيال ويسير بخط متوازٍ مع التوجهات الأمنية والقانونية ويتصدى للفكر الإرهابي ويكافح الغلو والتطرف الذي عززته منابر صحوية متطرفة لأكثر من ثلاثين عاما؛ ما يعني دقة وجهدا أكبر في العمل على إخراج قوالب إعلامية وثقافية بين المباشرة التي تتواصل مع مواطن الوعي، كالإعلانات التوعوية الهادفة والبرامج الحوارية الاحترافية والأفلام الوثائقية، والبرامج غير المُباشرة التي تتعامل مع اللاوعي في تعزيز شعور المتلقي بالمتعة والترفيه فيما تعمل على سمو ذائقته بتواصلها العاطفي مع عقله الباطن؛ وغذاؤها البناء الدرامي الذكي والمشوق في السينما والمسرح والبرامج الترفيهية؛ المعزز لقيم الهوية الوطنية والإنسانية، والمُمَكنة للفرد من فهم ذاته الاجتماعية ومشكلاته المجتمعية وطموحاته الوطنية الحضارية؛ وهو ما يتطلب رفع سقف حرية الإعلام بتحليل صحافة المعلومات التي لا تتوقف في التدفق كل ثانية في العالم، بظلّ إعلام جديد لا يُقدس الأسرار؛ مع ضرورة رفع مستوى كفاءة العاملين في الشأن الثقافي واستقطاب ذوي الخبرات الثقافية.

 

والكلام يطول حقا؛ ولكن يمكن القول إن ما تنتجه الثقافة وينقله الإعلام يصب في هندسة الوعي والذائقة العامة؛ وهذا الحيز الفكري لا يتحمل التجريب والاجتهادات العشوائية فما يتم غرسه في الوعي لن يتم محوه بسهولة إلا بهدمه من جديد لإعادة البناء، وهذا دون شك ثمنه باهظ ومكلف .

 

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه