2015-10-10 

رحالة الصيف: جزء من الفردوس

سمير عطاالله

يدون الدكتور هيكل انبهاره بما شاهد. ويتساءل كيف يمكن ألا يقوم بين الأتراك مئات الشعراء ممن يغنّون هذا الجمال الساحر بعض ما تغنى العرب بالعيس والبيداء والخيام والأطلال! والحق، أن البوسفور والأستانة، بعض هذه الفلذات من الجنّة، فرَّ بها آدم وحواء يوم أخرجهما منها ربهما. فنثراها في بقاع الأرض نثرًا. أليس أجمل ما في الحياة دوام تجددها إلى أن تستقر إلى خلد من السكينة يغنيها عن التجدد ويسمو بها من درجات الحياة! والبوسفور والأستانة خلعت عليهما الطبيعة من دوام التجدد ما يمسك النظر عندهما أيامًا، فلا يرى إلا جديدًا. انظر إلى هذه الجبال عن جانبي المضيق تتجدد صورها وألوانها كل لحظة من النهار بتغير الشمس عنها، وبالسحب تحجبها، ثم تهتك حجبها، وبالمطر يهمي ثم يقلع، وبالرياح تهز أشجارها وحشائشها أو تذرها مطمئنة ساكنة. وانظر إلى هذه الصفحة، صفحة مياه البوغاز، راكدة مرة، متموجة أخرى، متلاطمة ثالثة، عابثة بالضوء وأشعته عبثها بالقتام ودكنته. وانظر إلى هذا القمر يحبو سابحًا في لجّة السماء كما تحبو السفن تحته في لجّة الماء. وانظر ما خلّف التاريخ من قصور في عظمتها تجهُّم وفي ابتسامتها رهبة. ومن مساجد ترتفع فوق مآذنها الدعوة إلى الصلاة. انظر إلى هذا كله، وإلى دوام تجدد صور الجمال فيه يبهرك فيجل عن وصفك إياه.. ما بالك إذا أنت أمعنت في ركوبك البوسفور صوب البحر الأسود، فرأيت نفسك تحبو بك السفينة من جمال إلى براعة إلى بهر إلى ذهول، لا يرد عليك روعك بعدها إلا موج هذا البحر الأسود المترامي العباب، الداكن السحاب، بما أطلق على مياهه التي تعكس ثورة سمائه ذلك الاسم الأسود! على أنك واجد داخل الأستانة، وخلال التلال السبعة التي بنيت عليها، أودية وأخاديد لا تقل عن البوسفور وجباله شعرًا. ذهبت أول ليلة نزلت فيها الأستانة مع أصحاب يقيم بعضهم بعروس البوسفور، إلى ملهى في حدائق «مكسيم»، فرأيت فيه ما ترى في القاهرة وفي الإسكندرية من رقص وموسيقى تقوم بهما حثالات من طريدي الفن الأوروبيين، الذين لم يجدوا في بلادهم مرتزقًا، فهبطوا إلى حيث يتلقف الناس مظاهر مدنية الغرب الغالبة بحذافيرها، فلا تصل أيديهم، أغلب الأمر، منها إلاّ لما يلفظه أهلها احتقارًا واشمئزازًا. انظر إلى هذه الدور الفخمة مما سوى المساجد؛ هي ليست دور علم، ولا مدارس فن، ولا هياكل حكمة، ولا متاحف آثار، وإنما هي قصور بناها الملوك والسلاطين والأمراء والأثرياء لمتاعهم ولذتهم، ولا تزال كذلك إلى يومنا الحاضر. إلى اللقاء.. من جريدة الشرق الأوسط

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه