2015-10-10 

في الفرح والسعادة

عائشة سلطان

لا تزال فرنسا كعادتها تحتفي بالفلسفة وتقدم الفلاسفة للعالم، متربعة على عرش هذا العلم الذي قدمت من خلاله عظماء مثل مونتسكيو وفولتير وسارتر وديكارت وغيرهم، ومنذ أن قرأنا عنهم واطلعنا على بعض فلسفاتهم وأفكارهم في دروس الفلسفة، يوم كانت الفلسفة مادة تدرس لطلاب الفرع الأدبي في مدارس الإمارات، ونحن مأخوذون بشخصيات الفلاسفة وقدرتهم على صوغ أفكارهم بطريقة مغايرة، تشبه الأدب وليست منه، وتشبه الدين وليست منه، ولكنها تشبه الإنسان في نهاية الأمر، وهي منه حتماً، نحن منذ أيام المدرسة نعرف أفلاطون ومدينته الفاضلة، وأرسطو وسقراط والفارابي وابن رشد وغيرهم... ثم انقطعت سلسلة الفلاسفة فيما بعد، فما عدنا نقرأ لهم ولا عنهم، وكذلك شباب الجيل الحالي، ولسبب ما ألغيت الفلسفة كمادة علمية في المدارس ثم اعتبرت عديمة الجدوى! مناسبة الحديث عن الفلاسفة هو ما نشر مؤخراً حول الفيلسوف الفرنسي (شارل بيبان) الذي قدم لقرائه رواية جديدة بعنوان «الفرح، رواية رجل سعيد»، عبارة عن تأمل في فلسفة السعادة ومعنى الفرح، وحتى لا يختلط المفهومان على الناس، يقول بيبان إن السعادة عبارة عن حالة الرضا الدائم لدى الإنسان عن كل ما لديه وما يحيط به، فبطل روايته راض بما هو فيه وقانع بالعالم على ما هو عليه، لا يسعى لتغييره لأن هذا المسعى لا ضرورة له، فمحاولة تغيير الواقع لا تجلب سوى الشقاء والشر، أما الفرح فهو حالة طارئة لا علاقة لها بالسعادة، لكن لها علاقة بحدوث أمور تبعث البهجة والإثارة في النفس كرؤية حبيب أو احتساء القهوة في مكان مفضل أو سماع أغنية محببة لمطربك المفضل أو... والفرح يمكنه أن يحدث للإنسان وهو غير سعيد، بمعنى قد تكون متعثراً في مشروع زواجك أو في عملك مثلاً، وغير راضٍ عن زواج ابنك أو عن اختيار ابنتك لدراستها الجامعية، بمعنى أنك غير راضٍ بما يعني أنك غير سعيد، لكن ذلك لا يمنعك من أن تشعر بشيء من الفرح!! كانوا يقولون إن الفيلسوف شخص يعيد اختراع العالم بأفكاره مثل الشاعر الذي يعيد تركيب العالم بكلماته، وحين كتب شارل بيبان روايته حول (سولارو) الرجل السعيد دائماً بسبب رضاه المستقر عن نفسه وعن كل ما يحيط به، قال عن الرواية إنها جعلته يعيد اختراع نفسه، والحقيقة أن كل كاتب يكتب بصدق، هو في الوقت نفسه يعيد اختراع نفسه، حيث تتحول الكلمات والعبارات من أفكار بلا معنى إلى مفاهيم حساسة وذات هدف واضح كما لدى (ألبير كامو) في«الغريب» مثلاً ! اليوم، فإن السمة الغالبة على معظم الناس هي عدم الرضا عن أي شيء، عن زواجهم وأصدقائهم، أخلاقيات أبنائهم، العمل والراتب الذي يتقاضونه، زملائهم في العمل، ما تبثه وسائل الإعلام، خطب السياسيين، الجيران، تخطيط المدينة، حتى إمام المسجد وأصدقاء الأبناء لا نرضى عنهم، كيف إذن سنحظى بالسعادة التي نظل نتحدث عن فقدانها طيلة الوقت؟؟

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه