2015-10-10 

العز والغنوشى.. بين الكتاب والحديد

ناجح ابراهيم

عندما سئل راشد الغنوشى: لماذا لم ترشحوا أحدا لرئاسة الجمهورية؟! قال بعد شرح طويل كلمات مهمة جدًا «الانتقال من السلطة إلى المعارضة خير من الانتقال من السلطة إلى السجن.. ولأن نكون فى المعارضة خير من أن نكون فى السجن» لقد أدرك الرجل أن صراع حزبه على السلطة أو إصراره على الاستئثار بها أو التربع على عرشها سيضعه فى مواجهة مفتوحة مع مؤسسات الدولة ومعظم القوى السياسية التونسية.. وهذا الصراع المفتوح سيضيع السلطة ومعه الاستقرار فى تونس وسيؤدى فى نهايته إلى احتمالين: إما الموت والذهاب إلى القبر.. وإما الذهاب إلى السجون مع دوامات من موجات التكفير والتفجير والدماء والثارات والأحقاد والرغبات المتبادلة فى الانتقام. أما الخيار الثانى فهو بعيد عن القبور والسجون.. وذلك عندما يكون حزب النهضة فى المعارضة أو مشاركًا فى السلطة بنسبة قليلة. وفى هذه الحالة سيعم السلم الاجتماعى ولا تعرف الدماء طريقها لتونس.. ولا يتحول الصراع السياسى البارد إلى دموى فتصحبه موجات التكفير والتفجير من جهة ونوبات القبض والاعتقال والتخوين أو الرد بالرصاص من جهة أخرى. لقد استحضر راشد الغنوشى «فقه المصالح والمفاسد» فنجا وحزبه بهذا الفقه ونجت تونس كلها من شرور لا يعلمها إلا الله.. ذلك الفقه الغائب عن دنيا المسلمين عامة والحركة الإسلامية خاصة، التى تعشق المطلق والكلمات الطنانة والرنانة التى تدغدغ العواطف وتطلب المستحيل فتضيع الممكن.. وتريد كل شىء فتفقد كل شىء. ذلك الفقه العظيم كتب عنه فقهاء عظام أبرزهم العز بن عبدالسلام «قواعد الأحكام فى مصالح الأنام» منذ عدة قرون.. وقد شرفت بشرح هذا الكتاب مرات ومرات.. وقد قال بعض فقهاء الإسلام العظام «إن الإسلام والفقه والحياة كلها تتلخص فى تحصيل خير الخيرين بترك أدناهما وأقلهما إن لم يستطع تحصيلهما معاً.. ودفع شر الشرين وذلك بارتكاب أخفهما ضرراً إن لم يستطع دفعهما سويًا».. هذا الكلام النفيس قاله فقهاء الإسلام العظام الذين يشتمهم البعض سفهًا وجهلًا وغباءً اليوم ولا يدرى أنهم وضعوا أعظم قواعد العلم الشرعى الذى لو أكملته الأجيال الأخرى لكان لأمتنا شأن عظيم. وقد طبق العز بن عبدالسلام نفسه هذه القواعد فقد رأى التتار على أبواب مصر ولا يصلح لدفعهم وهزيمتهم سوى المماليك فوضع يده فى يدهم، وأيدهم بقوة وجمع لهم التبرعات الكثيرة وحشد لهم الشعب المصرى ليكون معهم فى معركتهم الفاصلة وتغاضى عن كل ظلمهم وعسفهم وهناتهم السابقة.. وأدرك أنه لا هو ولا غيره من أهل العلم أو الدعوة يصلح للتصدى لهذه المهمة.. وفعلا تحقق النصر على التتار فى عين جالوت.. لأنه طبق هذا الفقه العظيم. ولو كان شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام قد قبض يده عن دعم المماليك بحجة مظالمهم لاجتاح التتار آخر معاقل العروبة والإسلام وانتهى كل شىء إلى غير رجعة.. ولانتهت أمة العروبة والإسلام. إنه قبول خير الخيرين ودفع شر الشرين ما لم يمكن جمعهما أو دفعهما.. فما أجمل أن يجتمع السلطان مع القرآن.. والكتاب الذى يهدى والحديد الذى ينصر.. وصاحب القوة وأصحاب الحق والعلم. فما اجتمع القرآن والسلطان إلا وأتى الخير معهما.. وما انفصلا إلا ووقعت الشرور والفتن.. فالكتاب لا يقترب من السلطان تملقًا له أو خوفًا من بأسه بل ترشيدًا لمسيرته ومنعًا لبطشه وحجزًا له عن ظلمه وعسفه وتبصيره بموقع أقدامه.. وهذا هتاف القرآن الذى يجمع بين الحديد والكتاب «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ». *نقلاً عن "المصري اليوم"

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه