2016-03-04 

سوريا.. «دولة» اللاذقية أم الفيدرالية؟!

عبدالله العوضي

الاتحاد - بدأت الهدنة شبه الهشَّة في سوريا وبدأ معها طرح السيناريوهات المستقبلية لما بعد فترة الهدنة التي وقتت بأسبوعين والجهة الوحيدة التي سمح بإطلاق النار عليها رغم تلك الهدنة «داعش» و«النصرة» فقط لا غير وهو استثناء وجيه ولكن بحاجة إلى تحقق ميداني، في حين تنتشر الأخبار عن استمرار ضرب المعارضة المعتدلة أيضاًومنذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011 مع انطلاق موجات ما سُمِّي «الربيع العربي» التي أغرقت العرب في دوامة لم يخرجوا منها حتى الساعة ظل تفاقم المعاناة السورية في تصاعد متواصل من دون سقف قريب

 

 

وفي الشهور الأولى للأزمة الحقيقية كان المعوّل على النظام الحاكم أولاً بأن يرضخ قليلاً لمطالب الشعب السوري في العيش الكريم، إلا أن النظام المتصلِّب لم يقبل باستخدام القوى الناعمة ولجأ بلا أدنى تفكير أو حسن تدبير إلى الرصاص والنار. فطال بذلك الإجراء التعسفي أمد الأزمة حتى وصلت إلى مرحلة الحرب الأهلية التي يراد من العالم أجمع وقفها بأي ثمن إلا ثمن عودة إنسان سوريا إلى وضعه الطبيعي!.

 

وعندما اشتد أوار الحرب الدامية، المستنزفة لكل أطراف الصراع كان الرهان على خروج الأسد تماماً من المعادلة السورية الخاسرة، فكان ذلك بالنسبة له عاشر المستحيلات، ولو كان الثمن التضحية بكل الشعب والوطن بجميع ما فيه من مكتسبات تاريخية وحضارية، سابقة حتى على «البعث»، لا ينكرها إلا جاحد أو حاقد، وأقلها وحدة الوطن السوري نفسه واستمرار لحمتهوبدأ الحديث يسري تباعاً حول احتمالية لجوء الأسد إلى موسكو أو طهران، ولكن الواقع كان يتحدث عن بقائه ولو في زاوية «اللاذقية» الحادة في دولة علوية خالصة من دون الآخرينومن الطبيعي ألا تتحقق هذه الأمنية السياسية القاصرة إلا بعد أن تهدأ الأوضاع نسبياً، وإلا كيف السبيل إلى ترسية دعائم دولة علوية جديدة في ظل حرب طائفية بكل ما تحمل من حمولات بغيضة.

 

ودارت الدوائر السياسية مجدداً على سوريا الوطن لطرح سيناريو التقسيم كأمر واقع وكأنه لا مفر منه اليوم أو بعد عام، وهذا ما شجع أولاً الأكراد على التحرك تجاه تركيا استغلالاً للأوضاع المتردية أصلاً للتحرش بدولة طالما تداخلت فيها ثارات سياسية كبرى من الأكراد منذ عقود وخاصة من خلال «حزب العمال الكردستاني» الذي يزعم أنه يسعى إلى لمِّ شمل قرابة 50 مليون كردي يحلمون بدولة خاصة بهم منتزعة من سوريا والعراق وتركيا وإيران.ومنذ دخول الروس على خط الصراع والحديث عن هذا التقسيم يقوى صداه في الأوساط السياسية ويعلو صوته حتى حلت «الهدنة» الحالية المتفق عليها من قبل الأطراف جميعاً، عالمياً وداخلياً، لتزداد مخاوف البعض من قرب هذا التقسيم شبه الإجباري لمرحلة ما بعد الهدنة وتسوية الأوضاع على الأرض الملتهبة.

 

ومرة أخرى بالأمس القريب تطرح روسيا ما قد يفهم منه تفكير بهذه الطريقة لأنها هي التي لديها حق التصرف في سوريا المستقبل بعد أن حصلت على الضوء الأخضر من النظام الحاكم لفعل ما تشاء ومتى تشاء دون حسيب من أحد ولا رقيبوالسيناريو الروسي الذي طرح بالأمس في احتمالية الحل «الفيدرالي» في سوريا في القريب العاجل كنتيجة حتمية لهذه الهدنة، قد يعني لدى البعض أن الفيدرالية في حد ذاتها جزء من مخطط التقسيم المستقبلي فيها لو تطورت الأمور نحو إعلان «الاستقلال الذاتي» وليس الإقليمي لهذه المنطقة أو تلك، والمطالبة بـ«السيادة» في جيوب أو ملاذات وفق خرائط طائفية، تكرس التمزيق والتقسيم.

 

ومثال صريح في ذلك يقع في محافظات إقليم كردستان العراق التي تسعى جاهدة لكي تصبح دولة مستقلة على رغم وضعه المميز بين جميع المحافظات العراقية الثماني عشرة، فهذا الوضع أيضاً يعاني من الهشاشة السياسية وقابل في أي وقت لفرض دولة أمر واقع أمام رضوخ العالم أجمع ومن ضمنهم العراق ذاته!.

 

لقد صفق البعض للتوصل إلى هذه «الهدنة» التي تخللها أيضاً أزيز الطائرات والمدافع على رغم أنه موجه، حسب المعلن، إلى الإرهاب عدو العالم الأكبر، إلا أن البعض يَشْتَم من وراء هذه «الهدنة» أيضاً ليس رائحة البارود، بل رائحة للتقسيم تلوح في الآفاق كحل شبه مقترح، ولو ضمناً، لبقية الطوائف التي عانت من ظلم النظام المركب لعقود، في سياق واقع صعب يخرج اليوم من تحت ركام تلك الحرب القذرة لكي يرى وطناً منهوشاً من كل جانب وعلى رأسه النظام الذي قبل أن تصل الأوضاع إلى درجة استدعاء تدخل روسيا وإيران و«حزب الله». وهو ما استدعى أيضاً الآن دول التحالف الإسلامي التي تستعد في مناوراتها للدخول على خط محاربة الإرهاب أياً كان لونه، أو جنسه، أو دينه، ولا نريد أن نستبق الأحداث. وفي بانتظار انتهاء مهلة الأسبوعين يمكن أن نقرأ نتائج «الهدنة» المطلوب منها إعادة أنفاس الشعب السوري إلى الوجود من جديد، بعد أن طالت عليه ليالي البرد القارس وإحكام إغلاق الحدود الجغرافية والسياسية اللاذعة بالمهانة والمذلة، وضياع الحاضر والمستقبل والحياة بكرامة فوق أرض وطنه.

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه