2016-03-12 

هدنة أمنية واضطراب سياسي

غازي العريضي

الاتحاد - كانت تركيا متشدّدة في موقفها من الأسد ونظامه. وكانت تصرّ على رحيله السريع. اليوم، وبعد التدخل الروسي مباشرة وإسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي التركية قي إطار استعراض قوة أراده أردوغان، وأمام تخلي أميركا ومعها «الناتو» بشكل واضح ومفضوح عن دعم أنقرة، مفضلين العلاقة مع الأكراد، رافضين اعتبار قوات الحماية الكردية منظمة إرهابية، ومستوعبين«جولين» المعارض والخصم العنيد لأردوغان، والمتهم من قبل الأخير بأنه يحاول تقويض نظامه، ووصول الأمر إلى حد مصادرة صحيفة «زمان» وامتلاكها من قبل الدولة في إجراء غير مسبوق، وظاهرة غريبة ضد الحريات الإعلامية والسياسية في تركيا، ومع الكلام الروسي الأخير عن حل فيدرالي لسوريا، وبعد التوتر الذي حصل مع إيران والانتقادات القاسية المتبادلة التي حصلت بين طهران وأنقرة تغيّر المشهد التركي- الإيراني. ذهب رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو إلى طهران. قبل وصوله قال: «الحرب السورية بلغت مداها. ولا بد من وضع حد نهائي لها عبر حل سياسي ترعاه الأمم المتحدة». عند مغادرته العاصمة الإيرانية قال: تفاهمنا على خمس نقاط أساسية:

 
 
 

1- إظهار إرادة سياسية قوية لحل مسائل المنطقة من قبل الأطراف الإقليميين.

2 - عدم السماح بالتفريط بوحدة سوريا، بغض النظر عن شكل الحل. هذه النقطة هي أرضية اتفاق مهمة للغاية (في إشارة واضحة إلى رفض الفيدرالية التي ستؤدي إلى قيام كيان كردي بشكل أو بآخر، وسيكون لذلك انعكاسات لاحقاً على واقع الأكراد في تركيا وعلى وحدتها).

 

3 - دعم وقف إطلاق النار من أجل عدم تخريب الجو السياسي الذي سيتشكل. فالمفاوضات السياسية ستهيئ لأرضية وقف نزف الدم السوري.

4 - الإدارة في سوريا. فلا تكون البنية السياسية خاضعة لعرق أو مذهب واحد، بل تبدأ مرحلة جديدة يتم فيها تمثيل مكونات الشعب السوري كافة.

 

5 - شراكة في مسألة التعاون دون شروط أو قيود أو حدود لمواجهة الإرهاب. في كل المواقف لا كلام عن الأسد، عن بقائه أو رحيله مع بدء العملية الانتقالية، أو عند انتهائها في ظل موقف سعودي يؤكد ضرورة الرحيل مع بداية العملية الانتقالية في وقت تشهد فيه العلاقات السعودية التركية تطوراً إيجابياً، فهل ستتأثر اليوم أمام الرفض الإيراني المطلق لهذه الفكرة والرفض «الأسدي» الأكيد؟.

 

الرئيس الإيراني بارك الموقف التركي، واعتبر أن ثمة تحولاً إيجابياً كبيراً فيه، وشدّد على التبادل التجاري بين البلدين الذي سيصل إلى 50 مليار دولار، وأكد أن العلاقات بين الدولتين قد تساعد في معالجة كثير من المشاكل في المنطقة، وقال: «علاقاتنا جيدة مع روسيا، ولكن ذلك لا يعني أننا نوافق على خططها». وفي ذلك ردّ مباشر على ما أعلن من موسكو عن مشروع حل فيدرالي لسوريا، تؤيده أميركا، وعن إقامة قواعد عسكرية أميركية في المناطق الكردية مقابل القواعد العسكرية الروسية بالمناطق «العلوية»، وتجميد روسيا تسليم صواريخ S300 إلى طهران التي قامت بتحد جديد لأميركا من خلال تجربة صاروخية جديدة منذ أيام استنفرت المسؤولين العسكريين والأمنيين الذين أعلنوا أنهم سيتابعون الأمر «ليبنى على الشيء مقتضاه»!

 

وفي هذا الوقت عقدت قمة أوروبية تركية. أنقرة تبتز أوروبا باللاجئين السوريين وتريد ثمناً سياسياً يتجسّد باعتماد تأشيرات الدخول إلى أوروبا مثل الـ «شينجن» تقريباً، وثمناً مالياً لمواجهة أعباء وجود وتدفق اللاجئين إليها، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها. وأوروبا- كما هو واضح- مبعدة عن الحل في المنطقة. فالمفاوضات محصورة بالروس والأميركيين وقد فوّض الأخيرون الروس في المتابعة، ويشيدون يومياً بدورهم في هذا المجال.

 

نحن أمام مرحلة جديدة أمام الهدنة الأمنية. وهي مرحلة الاضطراب السياسي. وتداخل وتشابك وتناقض وتعارض الحسابات والمواقف وهذا أمر طبيعي. فتركيا ضد الأسد وإيران معه. وتركيا ضد الأكراد وإيران ضدهم. إيران هي ممر لتركيا إلى الشرق، وتركيا هي ممر إيران إلى أوروبا. روسيا مع بقاء الأسد أطول مدة وإيران مع بقاء الأسد. روسيا مع الفدرالية وإيران ضدها. والسعودية كلاعب أساسي ضد وجود الأسد في أي صيغة حل وعلى أن ينجز في أسرع وقت ممكن.

 

نقل لي صديق كلاماً عن أبناء الطائفة العلوية في سوريا، يؤكد أن الأسد «لا يمكنه التنحّي، بعد أن تورّط وورّط الجميع وأمام حجم الخسائر الكبرى التي لحقت بنا». وذكرني ذلك بكلام لمسؤولين سوريين كانوا يقولون منذ بداية التحركات ضد النظام: «لن نسلم ولو كلفتنا العملية مليون قتيل»!

 

هل ثم آفاق حل الآن؟ العلاقة الروسية الأميركية تهيئ لحل. لكن ذلك سيأخذ وقتاً طويلاً، وسنكون أمام فصول جديدة من الحرب الدموية ولعبة الأمم والدول الإقليمية قبل أن نصل إليه. الهدنة هي محطة من محطات الحرب التي لم تتوقف كلياً تحت عنوان محاربة «داعش» و«النصرة»، ولذلك نشهد الاضطراب السياسي، وكثيرون ينتظرون تبدلات وتحولات في المواقف قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر المقبل، وبعدها، ولهذا الأمر كلام آخر!

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه