2016-06-20 

بورتريه بالألوان عن "المؤسس الثاني" #محمد_بن_سلمان

سلطان السعد القحطاني

لا يمكن أن تقرأ خبراً عن السعودية دون أن يكون له رابط، أو ارتباط به. إنه يحظى باهتمام شعبي، وإعلامي لم يسبق وأن حصل عليه أحد. كثافةٌ هادرة من الضوء، والحبر. معظم القصص، والأخبار عنه، لدرجة أصبح فيها القصة الأولى في المملكة الجديدة، وتجسيدا حيا لشكل مستقبلها المُنتظر.

 

الملك والأمير

ليس بالضرورة أن يكون هذا الاهتمام الإعلامي تملقاً، لكن جرت العادة على أن الإعلام والجمهور شركاء في عشق النجوم، وفي المساهمة في زيادة نجوميتهم.

 

هذه هي قصة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الرجل الطامح في تأسيس مرحلة جديدة من تاريخ بلاده، بعد أن كان كثيرون يتابعون مسيرته بشيء من الترقب الحذر.

 

لم يكن لي سوى لقاء عابرٍ سريع معه قبل أكثر من عامين. لفتني صوته، فقد كان شديد الشبه بصوت والده، وكان الرجل، الأمير، الشاب، دمثاً، تضيء ابتسامته حديثه، وكنت أظنه عكس ذلك. كان لدي رأي سلبي بنيته على المعطيات الموجودة وقتها، وهو أنه قاسٍ، منغلق، وبالتالي خيار سيء لمستقبل المملكة. كان لدي قائمة أخرى من الأمراء المفضلين، ليس من بينهم الأمير محمد. 

 

لم أكن الوحيد الذي كانت لديه هذه الصورة القاتمة، السوداوية، عن محمد بن سلمان. إلى فترة قريبة كان السعوديون غير مؤمنين بجدية الأمير الشاب، وكانت تنسج حوله قصص الفساد، والتسلط، لدرجة أن كثيرين، وأنا منهم، لم نكن نتمنى أن يترقى إلى أي منصب في الدولة، باعتباره الرجل الذي سيكون سداً منيعا أمام طموحاتنا في بناء مملكة حديثة. وأمير ذكي مطلع مثله، بالتأكيد يعرف هذه الصورة المنقولة عنه. أعداء الأمس؟ هم أعداء تلك الصورة القاتمة، وقد تغيرت، وذهب أعداء الأمس مع الأمس، واليوم، يوم آخر جديد. الحاكم مظلة كبرى، وللجميع.

 

 

بعد نحو سنة وأكثر من العمل المباشر، يبدو أن السد الثابت تحول إلى نهر جاري. الرجل الذي اعتبرناه عدو احلامنا، اتضح أنه يشاركنا نفس الأحلام، مع فارق جوهري مهم: لديه القرار، والقدرة لتحويلها إلى واقع.

 

كان الأمير الشاب يعرف جيداً ما الذي ينوي فعله. كان الأمير صلبا في لحظات بدا فيها وأن الرياح قد تغير وجهتها، لترسم تاريخا جديدا للأسرة، والمملكة. صمد بصبر فولاذي، حتى حافظ على بقاء هذه الخريطة، وتلك قصة سيرويها التاريخ ذات يوم. 

الملك

 

كانت لديه أخطاء، ترتبط بالعمر والتجربة، تم تضخيمها.  لم يترك الأمير الأمر للصدف، بل أعلن اعتذاره مع شكره خلال تعيينه عضواً في مجلس الوزراء في حكومة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. تضخيم الأخطاء، لا يعني أنها ليست أخطاء. من سوء الحظ أن المتنافسين يريدون إسقاط منافسهم، ربما ليس كرها فيه، لكن قواعد اللعبة تفرض، لذلك تضخمت هذه الأنباء وتواترت وكان كثيرون يعتقدون أن وصوله إلى بوابة الحكم تعني نهاية الدولة، أو ملكية مظلمة.

 

لكنه الآن يتحدث عن: الشعب، الشارع، إدارة الخيمة، الحوكمة، والكثير من المفاهيم العصرية. 

 

الذين تيّسر لهم سماع أحاديثه ورؤاه عن المملكة حاضرها ومستقبلها، يقولون إنهم أمام رجل يعرف ما يقول، ويقول ما يعرف. عمليّ، ذكي، سريع البديهة، منفتح في مناقشة حتى الآراء التي تختلف معه. وما نراه من حوار إيجابي في الصحف السعودية، ووسائل التواصل، حول رؤية السعودية 2030 مؤشر إيجابي على ذلك.

 

مرّت علاقته مع عمّه الملك عبد الله بأطوار من التمدد والانكماش؛ فقد منعه من دخول وزارة الدفاع، ومنعه من تولي رئاسة ديوان ولي العهد، ومنعه من استحقاق ترقيات عملية. كان لدى الملك الراحل تصورات مختلفة عن أبن أخيه. إلا أن هذه الصورة تغيّرت في أشهر الملك الأخيرة، فقد استدعاه عدة مرات في روضة خريم، مشتى الملك المفضل، وسلوة قلبه، وتلويحته الأخيرة، قبل المستشفى والوفاة، التي أحزنت السعوديين دون استثناء. 

 

بعد خروجه المؤقت من عمله الحكومي اهتم الأمير محمد بن سلمان بمؤسسة مسك الخيرية. لقد كانت "مسك" دولته الصغرى في ذلك الوقت، ولقد تحقق لها الكثير من النجاح، والتأثير. ومن ينظر إلى مؤسسة مسك يشعر أن الأمير أنشا دولته العصرية التي كان يتطلع لها، ويحلم بها، منذ وقت طويل، قبل أن يصل إلى مركز بالغ القوّة والتأثير: اهتمام بالتعليم، وانفتاح على التجارب الدولية الناجحة. هذا يفسر كيف كانت القرارات سريعة ومتقنة، صبيحة توليه زمام الأمور، كأنما تم الإعداد لها مبكرا. كان الرجل يعمل، بصمت فسّرته التفاسير، وينتظر، ينتظر.

 

في السعودية، يمثل اليوم الأمير محمد بن سلمان شبابا كانوا متعطشين إلى بطل يشعرون أنه يعبر عنهم، وعن شبابهم. كانت الصورة الملكية تحظى باحترام شديد، لكنها لم تكن تعبر عنهم، وهم يمثلون الغالبية الغلبى، بل تمثل آباءهم وأجدادهم. وما يريدون الحصول عليه، صورة جديدة أكثر شباباً، يستطيعون النظر إليها والقول إنها تشبههم هم، لا أسلافهم.

 

الكتابة عن الأمراء مزعجة، فأنت متهم دائم بموقف متحيّز، لأن كثيرين لا يؤمنون بالحياد، وبأنك تعلق على ما لديك من معلومات. في ظهوره التلفزيوني الاول كان الأمير مميزا. باستثناء حديثه عن عدم أهمية النفط في تاريخ المملكة، كان مقنعاً، ولديه خطة تشبه خطة أي شاب سعودي للمملكة التي يتخيلها. خطة حضارية طموحة، تستوعب أن العالم تغيّر، وعلينا أن نتغير معه مختارين، لا أن يُفرض علينا.

 

وأستأذن سموه الكريم في رحلة سريعة مع دور البترول في تأسيس المملكة. كان جدك المحارب الصحراوي العظيم يشبهك في أن لديه الحلم والإصرار لبناء ما عجز آخرون على مجرد تصوّر أنه ممكن. ومع استمرار النجاحات جاءت ساعة الحقيقة، لحظة التحدي التي تواجه أي زعيم يشرع في تأسيس دولة، ثم يراها واقعاً ماثلاً أمامه، بعد تحول الثورة إلى دولة، وهي تثبيت دعائم النجاح، وتوفير بديل لرفاق السلاح الملولين، والقبائل المحاربة التي توقفت عن الغزو. وهنا جاء دور النفط في إعطاءهم هذا البديل من خلال فتح مجالات التوظيف، وإعطاء المعونات، وتأسيس الهجر، وبناء حياة تستوعب الجميع.

 

متأكد أن الأمير محمد يعرف أن النفط كان واحدا من مثبتي أركان الدولة، فإلى جانب الدعوة الوهابية، والشخصية العبقرية لذلك المحارب الصحراوي العظيم عبد العزيز ال سعود، لعب النفط دورا لا ينكره أحد في استقرار المملكة، وصنع لهذه البلاد الصحراوية ثقلا دولياً مكنها من لعب أدوار إقليمية هامة لأكثر من نصف قرن.

 

بالسيف والذهب والإيمان، سيطر الملك على أكبر مساحة من الجزيرة العربية، ولولا معرفته بالحدود التي تفصل بين الثورة والدولة، لتقدم موحدا كامل أرجاء الجزيرة العربية، وكانت قريبة إليه، وبين يديه.

لكن من يقرأ تاريخ أجداده جيدا يعلم أين يتوقف، وكيف، ومتى. 

 

يمكن القول إن مشروع الأمير محمد بن سلمان من خلال رؤية السعودية 2030 قريب من مشروع المؤسس الكبير، نظرياً. فعلى الورق تبدو معظم بنود هذه الخطة تغييراً ثورياً في المملكة، لدرجة ينطبق عليها الوصف الإنجليزي: “جميلٌ جداً إلى لدرجة عدم تصديقها". المشاريع العظمى يبنيها الشبان. كان عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود قريباً من سنّه حين بدأ مشروعه الكبير. المؤسس الثاني؟ ما زال الوقت مبكرا على ذلك.  لكن لو نجحت رؤيته فيمكن لها ان تغيّر الكثير، وتضع له مقعدا مميزا على رف التاريخ.

 

التاريخ يؤمن بالأفعال، لا الأموال. 

تستطيع ان تشتري عشرات الصحف، ومئات الصحافيين، لكنك لن تستطيع شراء التاريخ الذي سيكتب عنك. 

 

شعبية ولي ولي العهد الشاب منبعها الرغبة الجارفة لقطاع كبير في التغيير، والبحث عن إنجازات يمكن أن تكون نتاجا لهذا التغيير. يعطيك الناس من الحب، وشرعية القيادة، بقدر ما يعتقدون بأنك قادر على تحقيق تطلعاتهم، وتحويل أحلامهم إلى واقع. وإذا فشلت، فإن هذا الحب يذوي سريعاً كأنه لم يكن، ويحل محله شعور عميق بالإحباط والكراهية.

 

أمام الأمير محمد بن سلمان جهاز بيروقراطي معقد. يحسب للبيروقراطية السعودية انها أدارت الدولة، وأعطتها استقرارا اداريا لافتا في مراحل سابقة، لكنها بطبيعتها لا تتطور. السبيل الوحيد لمواجهتها بسرعة هو الخصخصة، والرد عليها بعقلية الشركات، الامر الذي سيزيد الديناميكية ويقضي على الفساد، أو على الأقل يكشفه. تحوّل السعودية من دولة إلى شركة، صعبٌ غير مُتخيّل، لكنه ليس مستحيلاً. 

 

هل من ملاحظات؟ 

لا، 

بل تساؤلات:

إن اعجابه بالوصف الغربي عنه بقولهم "سيّد كل شيء" يخيفني كثيرا. وقد ظهر هذا التعبير في النسخة المنقحة من لقاءه مع مجلة "بلومبيرغ" ونشرته الصحف السعودية بالصيغة ذاتها. هل ذلك مرده الرغبة في مركزية السلطة، أم أن مرحلة التأسيس تستوجب إشراف المؤسس على كل شيء؟ خصوصاً وأنها مشاريعه التي يرغب بنجاحها.

 

إن معظم الوزراء المعينين حديثاً من المقربين إليه. هل يعود ذلك لرغبة الأمير الرقابة المباشرة على أداء هذه الأجهزة بنفسه؟

 

ما هو مستقبل النفط السعودي، ومن سيدير عملية استثماره؟

 

كلها محاور حوار مفتوح حول مستقبل ملكيّة ومملكة، تحت إدارة أمير يحلم بالمستقبل، قبل أن يراه، ويضع الملايين آمالهم عليه ليأخذهم معه إلى المستقبل.

 

في صورة منشورة لحفل غداء عائلي على يخت في "كان" الفرنسية، يظهر الأمير محمد في آخر الصورة مع أبناء عمومته الأكبر سنا، وبالكاد تلاحظ وجوده.

لقد تحدث القدر، وأصبح الرجل الذي كان في اخر الصورة هو... الصورة كلها!

 

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه