2015-10-10 

ابنة منجِّد

سمير عطاالله

حاولت الهرب بنفسها، من نفسها، إلى الأديان: الكثلكة، الأرثوذكسية، البوذية. وحاولت الهرب إلى البلدان: أميركا، الهند، بريطانيا، فرنسا. وحاولت الهرب إلى الأزواج: روسي، وهندي، وأميركيان. وحاولت الهرب من الشهرة إلى عزلة الأرياف. وحاولت الهرب من اسمها، فاتخذت اسم أمها بدل اسم أبيها. لكن أنى هربت كان يقال، آه، ها هي ابنة ستالين. فقدت سفيتلانا ستالين أمها وهي في السادسة من العمر. أهان الأب زوجته بعد إحدى حفلات السكر في الكرملين، فدخلت غرفتها وأطلقت الرصاص على صدغها. غير أن أشهر حامل لقب ديكتاتور في التاريخ، أحاط الطفلة بعطفه. كان قاسيا في حمايتها، وعطوفًا في معاملته. وبعد وفاته، اكتشفت الحسناء الحمراء الشعر، أنها أسيرة اسم مرعب، في بلادها وفي كل البلدان. وعندما أصبحت في الأربعين، اتخذت إحدى أكثر الخطوات صخبًا ولغطًا في الحرب الباردة: قررت اللجوء إلى بلد العدو الأول. دللتها أميركا «غابة الحرية الحديثة»، ثم ملّتها. وتحولت سفيتلانا من اسم مثير إلى امرأة عادية. فقررت العودة إلى الوطن الأم. واستقبلتها موسكو بفرح عارم: ألم نقل لكم إنها لن تطيق الحياة في العالم الرأسمالي؟ غير أن ولديها من زوجين سابقين رفضا التحدث إليها. لقد تخلّت عنهما وعن شرفها الوطني، ومن جديد، تملها موسكو، فقررت العودة إلى الغرب. لكن هذه المرة كانت قد افتقرت. فأعطتها لندن منزلاً مجانيًا للمعوزين. ومن جديد عادت إلى أميركا. وكانت تسبقها إشاعات عن أنها تتظاهر بالعوز، أما الحقيقة، فإن ستالين ترك لها المليارات في مصارف سويسرا. تجمّع حولها نصابون يحاولون الاستثمار في الذهب المخبأ. وعندما تأكدوا من الخدعة، تفرّقوا من حولها مجددًا. وكانت سفيتلانا قد رزقت ابنة من زواج أخير. فمضت تعيش معها حياة منسية عادية في ولاية ويسكونسن، الريف الأميركي الكثير الثلوج والشتاءات الطويلة. «ابنة ستالين»، كتاب جديد يربو على 600 صفحة لروزماري ساليفان، هو أشبه برواية محزنة ذات فصول وعقد مثل روايات الأدباء الروس. عبثًا تحاول أن تبحث في السرد، عن سبب، أو أسباب نفسية، لسلوك السيدة التي ولدت في الكرملين لأب كان ينوي أن يغيِّر وجه العالم. قبل الريف الثلجي، تنقلت سفيتلانا في ولايات كثيرة. وعاشت قصص حب كثيرة، تساعدها لغة إنجليزية راقية تعلّمتها في ترف الكرملين. وفي النهاية، هربت من زوجها الأخير مع ابنتها منه، أولغا. وكانت كلتاهما حطامًا ماليًا. لكن سفيتلانا ارتاحت إلى حياة العزلة قريبًا من الغابات. وتوفيت تاركة ابنتها تحاول، هي أيضًا، الهرب من اسم الجد. الذين أحبوه، اعتبروا ابنته خائنة، والذين ارتعدوا من ذكر اسمه، اعتبروها تذكيرًا بإحدى أسوأ مراحل الإنسانية. أما هي، فكانت أبلغ جملة كتبتها للناس: «ليتني ولدت ابنة منجِّد». من جريدة الشرق الأوسط

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه