2015-10-10 

القرآن والحديث

ثروت الخرباوي

قضيت أزماناً وما زلت أبحث عن «الحقيقة»، أقرأ الكتب قراءة المتأنى المتمهل، أغوص فى المعانى، أقفز فوق الكلمات، أعيش مع آيات القرآن الكريم، أحاول أن أسبر غورها، أجرى وراء الحديث الشريف، أبحث عن حقيقته، فأجد من يرفضه كله وكأنه ليس من أثر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ومن يعظمه كله وكأنه فى مرتبة القرآن الكريم أو أعلى، وحين يشتد الجدل داخلى تباغتنى آية قرآنية فى سورة الزمر يقول الله تعالى فيها «الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله».. يا ربى! ما هذا؟ كتابك يا رب هو أحسن «الحديث» كيف لم أنتبه إلى هذه الآية من قبل؟! الله وصف كتابه بأحسن الحديث، قد تظن أن هذا الأمر عادى، ولكن لأن القرآن يفسر نفسه اقرأ الآية الأخرى الواردة فى سورة المرسلات التى يقول الله فيها «فبأى حديث بعده يؤمنون». القرآن يا سادة هو أحسن الحديث ورب العزة يقول فى آية فيها تعجب «فبأى حديث بعده يؤمنون». ولك يا صديقى أن تضع تعريفاً جامعاً مانعاً للقرآن الكريم فتقول إن اسمه ليس له سابقة فى لسان العرب، وليس له تالٍ، هو الاسم الوحيد الدال على كتاب الله الذى أنزله على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، يحتوى على مائة وأربع عشرة سورة، ويحتوى على ثلاثين جزءاً، وعدد كلماته كذا، وعدد حروفه كذا، وفيه سور وآيات مكية نزلت فى مكة هى كذا وكذا، وسور وآيات مدنية نزلت فى المدينة هى كذا وكذا، أول آية فيه كانت كذا، وآخر آية فيه كانت كذا. ولكن هل تستطيع أن تضع تعريفاً مماثلاً للحديث الشريف، فتقول إن عدد الأحاديث كذا، أوله حديث كذا وآخره حديث كذا، أحاديثه المكية هى كذا وأحاديثه المدنية هى كذا؟ دون هذا يا صديقى المستحيل، لأننا سنبدأ أولاً فى تصنيف الأحاديث بشكل مختلف، فنقول إن هذا حديث متواتر وهذا حديث آحاد، وهذا حديث مقبول وآخر مردود، وذاك صحيح وهذا حسن، وهؤلاء ما بين مرفوع ومقطوع وموقوف، هذا النوع من الأحاديث نأخذ به، والآخر لا يعمل به إلا فى محاسن الأخلاق، وهذا نتركه، وذاك نرفضه، هل تعلم لماذا لا تستطيع أن تضع كياناً محدداً للحديث الشريف؟ لأنه تابع للقرآن الكريم ومفسر له وليس شيئاً مستقلاً بذاته، كيف هذا؟ اسمع معى يا رفيق الدرب يا من تبحث معى عن الحقيقة لتعرف أن الحديث دون القرآن وأن الرسول لم يضع فى الأحاديث تشريعاً ولم يحرم أو يحل. هل تظن يا صاح أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم على رسوله وفيه نقص؟! أو غموض؟! أو أحاجى تحتاج إلى من يفك طلاسمها؟! لو كان ذلك ما قال الله سبحانه عن القرآن «تلك آيات القرآن وكتاب مبين»، وما قال «ألم تلك آيات الكتاب المبين»، وما قال «‏ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء‏»، ولو كان فى القرآن شبهة نقص يحتاج إلى إكماله من خارجه لما قال الله تعالى «ما فرطنا فى الكتاب من شىء» وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أن القرآن وصل إلى الكمال والتمام. أما السنة النبوية فلها مرتبتها لا شك فى ذلك ولكنها دون القرآن إذ هى بمنزلة الشرح والتفسير لما جاء فى القرآن الكريم، وذلك مصداقاً لقوله تعالى «لتبين للناس ما نزل إليهم» أى إن السنة مضافة إلى القرآن، القرآن أولاً ثم السنة تبين وتشرح، ولذلك فإن السنة ليس لها أن تشرع من دون القرآن، وليس لها أن تُحل وتُحرم، أو تضيف أحكاماً لم ترد فى القرآن، فالحرام ورد كله فى القرآن الكريم ولا يجوز الإضافة عليه، حتى إن النبى عندما حرّم على نفسه العسل أنزل الله عليه قرآناً قال فيه «يا أيها النبى لما تحرم ما أحل الله لك»، لذلك فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وإن لم يكن له التحريم فإن له الأمر والنهى، فالنهى عن إطالة الثوب ليس من باب التحريم ولكن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن ذلك لتربية جيل الصحابة وإبعادهم عن الكبر، ونفس الأمر بالنسبة للتماثيل حيث كانوا قريبى عهد بالوثنية والأصنام، وقل الأمر نفسه عن الذهب والحرير، كلها من باب النهى أو الأمر التربوى، لا من باب الحلال والحرام، وقد فهم الصحابة ذلك، فعندما نهى النبى عن حبس ضالة الإبل فهموا مقصد الرسول وامتثلوا للنهى، وعندما مرت سنوات وتبدلت الأحوال غيَّر سيدنا عثمان من نهى الرسول وأصدر أمراً بحبس ضالة الإبل. ولكن يقابلنا يا صاح فى ذلك حديث منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم هو «ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه»، وأظن أن من وضعوا هذا الحديث أرادوا أن يجعلوا للحديث مرتبة موازية للقرآن، أرادوه يحل ويحرم، أليس هو بهذه المثابة وحياً من الله لرسوله، وما فعلوا ذلك إلا لأن آية «إن هو إلا وحى يوحى» خاصة بالقرآن الذى أوحاه الله للرسول فليكن الحديث هو الآخر داخلاً فى نطاق «إن هو إلا وحى يوحى» وهذا الحديث «ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه» من أعجب ما تقوَّلوه على الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك وقعوا فى العديد من الأخطاء التى لم يجدوا لها حلاً، إذ معنى هذا الحديث أن الله أعطى مثل القرآن للرسول ليكون متمماً للنقص الذى فيه! فإذا افترضنا هذا جدلاً فلماذا يا هذا لم يأمر الرسول بكتابة هذا الذى هو «مثل القرآن» ولماذا قال «لا تكتبوا عنى شيئاً غير القرآن» وهل يجوز أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم نصف الوحى يتناقله الناس بلا ضابط أو رابط، ينساه هذا ويتزيد فيه ذاك دون أن يكون محفوظاً فى كتاب، وهل يجوز أن نقول إن الصحابة تركوا نصف الوحى بغير تدوينه فى كتاب يُسمى «مثل القرآن»؟ وما زلنا نسير على القتاد نبحث معاً عن الحقيقة، نضع الأمور فى نصابها، فكونوا معى، فالإسلام يا رفاق أرقى من أن يكون إخوانياً أو داعشياً أو سلفياً أو وهابياً أو دموياً أو جاهلياً أو ظلامياً.. إسلامنا هو النور، ورسولنا هو السراج المنير. *نقلاً عن "الوطن"

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه