2016-04-28 

ليبيا: القبيلة الدور وحدوده

أحمد إبراهيم الفقيه

العرب - في ندوة شهدها النادي الاجتماعي الليبي في القاهرة، دار النقاش حول دور القبيلة في الحراك السياسي الراهن، الذي تشهده ليبيا خلال هذه المرحلة الانتقالية العامرة بالفوضى والارتباك، وعمّا إذا كان للقبائل دور في إنقاذ البلاد والخروج بها من أزمتها.

 

شرحت وجهة نظري في الموضوع قائلا بأن القبيلة مكوّن اجتماعي، له حضوره وفعاليته في البيئة البدوية، بل كان له إبّان المرحلة الاستعمارية دوره الإيجابي في تنظيم حركة المقاومة الشعبية، وخدمة المواطن وحمايته في المجتمعات البدوية، حيث لا وجود لغطاء تقدّمه الدولة، بل هي دولة استعمارية تعادي المواطن وتحاصره، فلا تبقى إلا القبيلة، التي تقدم هذا الغطاء الاجتماعي والإنساني لابن بيئتها ومجتمعها، وحمايته من تغوّل الدولة الاستعمارية وتنكيلها به.

 

لكن القبيلة، تصبح مفردة من مفردات التخلف، إذا ما خرجت عن إطارها المكاني واقتحمت مناطق التمدن والعمران، فعلاقات الناس في القبيلة تقوم على رابطة الدم، باعتبار القبيلة عائلة اتسعت وكبرت وصارت لها امتدادات وكثافة سكانية، لا رابطة تجمعها إلا رابطة الدم، حيث يقتضى الولاء للقبيلة والطاعة لشيوخها ضمانا للحماية.

 

إقحام القبيلة في المجتمع المدني، هو ما فعله النظام الانقلابي الذي تقوّض تحت ضربات ثورة 17 فبراير، وفعل ذلك في إجراء تعسفي مناقض للتطور الاجتماعي، فقد كان تمدين البوادي والأرياف هو هدف سياسات الدولة التي تريد التحضر والنهوض، فعمد بسبب طبيعته البدوية البدائية، إلى توظيف القبيلة سياسيا للتمكين والتدجين، وإحلال القيم العشائرية البدوية مكان قيم التمدّن والحضارة، وإعطائها الغلبة والسيادة، خوفا من قيم المدينة التي تفرز مطالب الشعب في الحياة الديمقراطية والمحافظة على حقوق الإنسان. بينما كان النظام السابق يستغل القيم العشائرية القبلية البدوية في تعزيز روح القطيع، وتكريس سلطة شيخ القبيلة، والولاء غير المشروط لهذا الشيخ وهذه القبيلة، فلا صناديق اقتراع ولا دستور يشرح الحقوق والواجبات، ويحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا مجال لتداول السلطة، التي يريدها الحاكم أبدية فلا يتركها إلا بالموت الذي يعقبه التوريث، وهو ما كان نظاما سائدا ومعتمدا وعاش عليه القذافي لأربعة عقود ونيف، خالية من الانتخابات، في غياب الدستور والاحتكام إلى أيّ قاعدة من قواعد الحكم المدني والدولة الحديثة.

 

ويبقى السؤال الذي أشرنا إليه، عمّا إذا كان للقبيلة دور في رأب الصدع، وتحقيق الصلح بين الأطراف المتخاصمة، ونزع فتيل الفتن والاحتراب، ولم يكن ثمة أحد من الحاضرين يجزم بوجود هذا الدور أو عدمه، فقد انطلقت جهود بعض الفاعلين في المجال القبلي والعشائري في ليبيا، لخلق تجمعات ذات طابع جهوي مناطقي في ليبيا، تهتمّ بالشأن الوطني، وترفع شعارات الشهامة البدوية، من أجل التسامح ونبذ الخلافات، وجمع الكلمة على مبدأ خير البلاد وخدمة أهلها وتحقيق الأمان والاستقرار والسلام، ونجحت جزئيا في خلق مصالحات بين بعض المناطق وإطلاق سراح بعض المساجين وتبادل العهود على نبذ الخلاف وعدم الاحتكام إلى السلاح.

 

إنها آراء وجهود باركها أغلب الموجودين في الندوة، وبينهم قادة سياسيون أمثال الأساتذة محمود جبريل ومحمود شمام وإدريس المسماري وعالم الاجتماع الليبي والأستاذ في الجامعات الأميركية علي عبداللطيف احميدة، ولكنهم جميعا لا يرون للعامل القبلي دورا في مستقبل البلاد وصياغة دولتها القادمة، فهو دور يقتصر على مرحلة التحوّل باعتباره دورا طارئا مؤقتا، خاصة وأن ليبيا ليست دولة قبلية بالمعنى التقليدي المعروف في بعض الدول الأفريقية أو العربية ذات الطبيعة البدوية، فهي بلاد ذات مراكز حضرية ومرافئ عريقة على المتوسط، بأمل أن تفلح النخب الليبية خلال المرحلة القادمة، في بناء مؤسسات الدولة المدنية التي تأخذ بقيم العصر ومفرداته، وتعتمد على الدستور الذي يتساوى أمامه الناس جميعا، دون فوارق قبلية أو جهوية أو إثنية، وتقوم فيه السلطة على التفويض الشعبي، عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع، ويتمّ فيه التداول للسلطة سلميا، على هذه الأسس الدستورية، ومبدأ التفويض الشعبي، وليس البيعة القبلية التي تنشدها أنظمة الاستبداد والطغيان، وأن يتوارى دور القبيلة وتنتفي الحاجة إلى إعادة إنتاج القبيلة، وإحياء دورها لأغراض سلطوية استبدادية، لتكون على حساب تحضر المجتمع ونهضته وتقدمه.

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه