2016-05-05 

المصالحة التاريخية وخطورة مأسسة اجتماع الشيخين

أمين بن مسعود

العرب - أن تقدّم المصالحة التاريخية في تونس على أنّها نتاج جلسة حوار دافئ وحميمي بين الإسلاميين، ممثلين في رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، والنظام السابق متجسّدا في محمد الغرياني الأمين العام لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحلّ، فالأمر لا يعدو أن يكون تحايلا على الواقع واحتيالا على استحقاقات المصالحة الوطنية ضمن مسار العدالة الانتقالية في البلاد.

 

فلئن كان من طبيعة الأمور أن تناط مسؤوليّات التحري والاعتراف والاعتذار بهيئة الحقيقة والكرامة، التي من واجبها إعادة قراءة وتوثيق مرحلة العقود الثلاثة السالفة دون سقوط في الانتقاء أو الانتقام، فإنّ تصفية حسابات الماضي بشكل ثنائيّ وضيّق بين الإسلاميين والتجمعيين، هي في المحصلة خلق فضاء مواز لترتيب وتفكيك تركة الماضي على وقع رهانات الحاضر.

 

الاغتيال المعنوي والمادي لهيئة الحقيقة والكرامة، يتجسد اليوم عبر توظيف ملفّات الماضي خدمة لأغراض ومصالح الأطراف السياسية المتدخلة في الملفّ، وليس من أجل تكريس العدالة الانتقالية واستيعاب دروس الماضي وتأمين البلاد والعباد من ارتدادات السياق السياسي نحو الاستبداد والفساد.

 

اليوم، يحصر الغنوشي والغرياني ومعهما بالتأكيد رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ملفّ المصالحة التاريخية في نتيجتين براغماتيتين؛ توسيع دائرة المنتفعين بالعفو التشريعي والتعويض المادي ليشمل الغاضبين من أبناء حركة النهضة المعتصمين اليوم في القصبة وأمام مجلس النواب، مقابل تكريس مبدأ المصالحة الاقتصادية لتشمل رجالات من رجال الأعمال القريبين من نداء تونس ومن ماكينته الانتخابية والدعائيّة.

 

وبغض النّظر عن مدى مشروعيّة هذه المطالب في زمن المديونية للعواصم الأجنبية ولصناديق الاقتراض العالميّة، فإنّ استثمار ملفّ العدالة الانتقالية واستغلاله لأغراض سياسية صرفة ينزعان من المصالحة التاريخية جوهرها الأخلاقي والاعتباريّ بأنّها استحقاق شعب في استجلاء خبايا مرحلة تاريخية بعيدا عن القراءات السياسية لتلك الفترة، وأنّها حقّ وطن في التصالح مع ماضيه وحاضره ومستقبله دون قبول بفكرة الفترة المقدّسة أو المرحلة المدنسة أو الحقبة الغامضة الحالكة التي لا تطالها أيادي الباحثين في شتّى المعارف.

 

الخلاف العلني، على الأقل، بين الإسلاميين والتجمعيين، هو جزء من مرحلة تاريخية وليس هو المرحلة التاريخية، وهو ملف من جملة ملفات العدالة الانتقالية وليس هو صلب المصالحة الشاملة، ذلك أنّ الخلاف الحقيقي كامن بين كينونة النظام القمعي من جهة، وبين مختلف شرائح المجتمع التونسي من جهة ثانية، وأدوات الاستبداد استهدفت الشعب التونسي، يسارا ويمينا، ضربا لمنظومات التمثّل والمقاومة ولآليات العقد الاجتماعي، وليس كما يسوّق له الإسلاميون من أنّ نظام زين العابدين بن علي استباح النهضة ليحيّد عنها المجتمع.

 

يتصرّف راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي بمنطق “مرجعيّة” المرجعيات الدستورية، أو بالمبادئ فوق الدستوريّة، حيث تستحيل اجتماعاتها مطبخا لتغيير التوازنات السياسية ولإسقاط التوافقات الثنائية على كافة دوائر اتخاذ القرار، بما يعنيه هذا من رهن لحاضر ومستقبل البلاد وضرب للمسار الدستوري والحوار الجماعي.

 

نجاح حوار باريس بين الغنوشي والسبسي في حلّ مشكلة حلّ الحكومة والمرور إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية لا يعني أن نتحوّل آليا إلى “مأسسة حوار باريس” بطريقة تصبح كافة الاستحقاقات الدستورية والاجتماعية والقضائية رهينة “اجتماع” الشيخين للوصول إلى تسويات تقتل روح التوافق الجماعي وتضرب الديمقراطية التشاركية وتوظّف الذاكرة الجماعية للوطن في مآرب الأحزاب السياسيّة الضيقة.

 

تقديم الغنوشي المصالحة التاريخية في شكل “العفو العام وصندوق التعويض للمتضررين” يفضي إلى أمرين؛ إمّا أنه لم يقرأ تجارب العدالة الانتقالية في 35 دولة من بينها جنوب أفريقيا والمغرب الأقصى، وإمّا أنّه يخشى افتضاح أشياء وانكشاف أمور يريد ردمها وترحيلها إلى عالم التناسي ومن ثمّة النسيان.

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه