2019-09-25 

بتال القوس: مدرسةٌ حياديةٌ؛ أرستْ قواعدَ الإعلامِ الرياضيِّ

فارس الغنامي

 

لَيسَ مِنَ اليسيرِ أنْ تكتبَ عَنِ القامَاتِ العَظيمةِ في هذا العَالمِ، أو أنْ تكتبَ عن أصحابِ الإبداعِ والتميُّزِ؛ إذ تظلُّ الكلماتُ قاصرةً عن بلوغِ ما يستحقون، ولكنَّه - مع هذا- أمرٌ مُمتعٌ، وخطوةٌ تستحقُّ العناء.

 

يُعَدُّ «بتال القوس» رُبَّانَ سفينةِ مسار الإعلام، ومهندسَ تميُّزِهِ الذي أرسى دعائمَ التَّقديم الإعلاميِّ بتقنيَةٍ عاليةٍ، واحترافيَّةٍ غيرِ مسبوقةٍ، وقد أهَّله لبلوغ هذا الشيء ، والتربعِ على ذلكم العرشِ ما يمتلكُه من مهاراتٍ لغويَّةٍ فريدة، وحسنِ إلقاءٍ، وجزالةِ لفظٍ، وجودةِ سَبكٍ، أخذت بمجامعِ قلوبِ الجماهير، والشيءُ من معدنِه لا يستغرب، وهذا الشبلُ من ذاك الهزَبْر، ومن يشابه أبه فما ظلم، فهو ابنُ الشَّاعر والفقيه والرَّاوي «ساير القوس».

 

إنَّ عقليَّة «بتال القوس» الفذَّةَ، وقدرتَه اللُّغويَّةَ الجلية، وامتلاكَه مهاراتِ الحوار الجذاب، واعتلاءَه منصةَ التَّحليل والنَّقد الآخذِ بالألباب، كلُّ هذهِ العواملِ مجتمعةً جعلَتْ منه قامةً إعلامية باسقةً، وأدارت حولَه هالةً من المهابةِ سابغةً، فكان نعم القدوة والمثال، يسيرُ بهديه الشداةُ الواعدون، ويترسمُ خطاه المتميزون في المجالِ الإعلامي.

 

وإنِّ أهمَّ خصلتَيْن جذب بهما قلوبَ الجماهير إليه، واتفقت بسببِهما الكلمةُ عليه: جرأتُهُ الواثقة، وحياديَّتُه التي لا ينكرُها إلا جاهلٌ أو معاند؛ وقد كان - لو أراد مسايرةَ الواقعِ ومداهنةَ المألوف - بإمكانه أن يعبَّ من حيث يعبُّ الكثيرون، ويقولَ ما يطلبُه المستمعون، ولكنَّه اختار أن يشقَّ طريقًا آخرَ أكثرَ وعورةً من خلال إخلاصِه للحقيقةِ الَّتي لا تنفصلُ بكلِّ تاريخِها الفلسفيِّ عن الأخلاق؛ فلقد أحسَّ «بتال» بالكسادِ الذي خيمَ على السَّاحة الإعلاميَّة، وبالوصوليةِ التي امتهنها كثير من الإعلاميين، غيرَ آبهين بقيمةِ الكلمة، وكرامةِ المهنة، فانتفضَ لهذا الواقعِ وجابهه، وبيَّنَ عوارَه وحاربَه كلما سنحت فرصة.

 

وقد رسم «بتال» خريطةَ عهدِ الإعلامِ الرياضيِّ الجديد، واستطاع فرضَ مصطلحاتِه وأفكارِه المنبعثةِ من أخلاقِه النزيهةِ على الثقافة الرياضية التي عاشت دهرًا تحت وطأةِ التقليدِ والتَّبَعيةِ، فاستقرَّت دعائمُ الإعلامِ الرِّياضيِّ وأسُسُه على يديه. 

لقد تيقَّنَ «بتال» أن الدنوَّ من الجمهور، والقربَ منهم ومن معاناتِهم، هو الطريقُ الصحيحُ لكسبِ قلوبِهم.

 

ويمتلكُ «بتال» - إضافةً إلى ما سلف - ذاكرةً تصويريَّةً رائعةً، مكنتْه من صياغةِ عهدٍ جديد، هو في حقيقتِه مزيجٌ من الطبيعةِ والتاريخِ والتعليمِ، زينَها منطقٌ خلابٌ، وأسلوبٌ أخّاذٌ جذاب. 

لقد جاءتْ «مدرسةُ بتال»، لتسدلَ الستارَ عن عهدٍ غابرٍ لم يعدْ يحسنُ سوى ترديدِ أصداءِ الآخرين، فرفعتْ أعمدةَ الإبداع، وضربت بطنبِ التجديد، وأجرت جداولَ التغييرِ في أرضٍ مواتٍ فأحيتها من جديد.

 

إنها مدرسةٌ قوامُها الشراكةُ والتشاور، لا الإقصاءُ والسلطويَّةُ؛ فالمنطلقُ الفكريُّ لدى «بتال»، الذي أسَّس عليه مدرستَه هو أنَّ الخطأَ وإنْ كُرِّرَ وتتابع عليه الناسُ لا يكونُ بحالٍ حقًا حتى يعودَ اللبنُ في الضرع.

 

إنَّ إيمان «بتال القوس» بصحةِ طريقتِه، ومصداقيةِ فكرتِه، هوّنَ عليه ما يلقاه كلُّ مصلح؛ ممن رضعَ ثديَ التبعيةِ دهره فليس يعرفُ سواها، فإذا جاء من ينبهُ الناسَ لاعوجاجِها ثار عليه مؤلبًا، وموزعًا تهمًا جِزافًا، حمله عليها الحسدُ، ومخافةُ سقوطِ الجاه إذا جاء مَن يكشفُ عوارَه، لكنّ «بتالًا» يعلم يقينًا أن للذكاءِ والإبداعِ ضريبةً وأيَّ ضريبةٍ، فسلكَ طريقَه راضيًا غيرَ آبهٍ بشيء في سبيلِ ما يشدو إليه من هدفٍ واعدٍ نبيل.

 

ولأنَّ تغييرَ المألوفِ غيرُ هيِّن، فإن «بتالًا» تمثلَ قولَ الأول:

عليّ نحتُ القوافي من معادنِها... وما عليّ إذا لم تفهمِ البقرُ.

 

إنَّ التَّجرِبةَ الفريدةَ لـ«بتال القوس»، والنَّظرةَ الاستثنائيَّةَ لديه، وحضورَه الكاملَ، وشخصيَّتَه المثاليَّةَ، وحياديَّتَه في الطَّرح، وصفاتِه المثاليةَ الأخرى التي لا يتسعُ المقالُ لشرحِها، كلُّها أمورٌ جديرةٌ بالدِّراسة؛ فقد قدَّم إلينا - طول مسيرتِه العمليَّة - طريقًا أنارَ لنا به دياجيرَ الظَّلام.

 

الكاتب: فارس الغنَّاميُّ

 

Farescom200@hotmail.com

 

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه